10 يوليو، 2020

قصة مقاتلة من بلدي

عندما نتحدث عن تلك الفتيات اللائي امتشقن سلاح الشرف،      و توجَّهنَ إلى ساحات المعارك،حينها نستطيع القول بأنَّ المرأة قد وصلت ذروة أهدافها في تحقيق النضال، والوصول إلى إرادتها بشخصيتها القوية وإصرارها، بل أثبتت لمجتمعها بأنها كسرت تلك القيود التي كانت تمنعها من إظهار مهارتها في صنع الجمال من حولها.

“هبة الزين” الفتاة التي نشأت وترعرعت في مدينة تادف السورية،  كانت ولا تزال فتاة صغيرة تعيش مع أسرتهاضمن ظروف معيشية متوسطة الحال. ومنذ صغر سنها ونتيجة التناقضات التي كانت موجودة ضمن الأسرة الواحدة، لم تحظَ هبة بفرصة الذهاب إلى المدرسة سوى المرحلة الابتدائية،يضاف إلى ذلك تلك الذهنية التي كانت سائدة في المجتمع، حيث لا يحق للفتاة اجتياز المرحلة الابتدائية،فاكتفتْبرعاية أخواتها الصغار، وخاصة  بعد الحريق الذي نشب في منزلهم وتسبَّبفي إعاقات شديدة بوالدها وأخواتها الصغار.

ومع نزوح العديد من العوائل من مدينة تادف عقب اضطراب الأوضاع الأمنية في بداية الأحداث من الثورة السوريةكانتلا تزال فيالسابعة عشر من عمرها، حيث لاقت صعوبات جمةفي حياتهالأنها كانت تعالج والدها وأخواتها، بالإضافة إلى أختها الصغيرة التي كانت لاتزال رضيعة.

وبعد مرور خمسة أعوام من مجيئهم إلى مدينة منبج عام2012م أصبح والدها يعمل، ثمَّ تزوجت هبة وسافرت مع زوجها إلى تركيا، وبعد مرور عام من عودتهما مرة أخرى إلى مدينة منبج، انضم زوجها إلى قوات مجلس منبج العسكري، وذهب إلى حملة الرقة ليشارك إلى جانت رفاقه في التصدي لمرتزقة تنظيم داعش الإرهابي. إلا إنهاستشهد قبل تحرير مدينة الرقة بأسبوع.

وبعد استشهاده،وعملاً بالعادات والتقاليد العشائرية التيتقرض على المرأة ألاتبقى على حالتها تلك، حيث يتوجّب على عائلتها أن تقوم بتزويجها للمرة الثانية، فعاشت قرابة شهرين في بيتها الجديد،لكنها لم تشعربأي سعادةبما رأت من الظلم و المعاناة، ولم تلقَ أية قيمة تذكر.

إلا أنّ روحها المُتعطّشة إلى الحرية والخلاص دفعتها للبحث عن ذاتها،فجاء ذلك اليوم الذي انطلقت فيه باحثة عن طريق يقربها من حقيقتها كامرأة، وانطلقت لتكوِّن ذاتها، ولاسيما أنَّها سمعت بأنَّ هناك مقاتلات ينخرطنَفي صفوف الثورة للدفاع عن كرامتهن ووطنهنَّ. و ما إنْ سنحت لها الفرصة بذلك حتى توجَّهت إلى مجلس منبج العسكريّ،فتحقّق هدفها كخطوة جديدة في حياتها،وخضعت المقاتلة هبة لتدريبات عسكرية وسياسية وفكرية قرابة ثلاثة أشهر،   ومن خلال هذه التدريبات تعرَّفت على العديد من جوانب الحياة والمهام التاريخية الملقاة على عاتق المرأة ممّا كانت تجهله قبل انضمامها، حينها فقط عرفت كيف تستطيع إظهار قوتها وطاقاتها المكنونة التي لم تستطع إظهارها سابقاً.

وبعد انتهاء التدريبات عادت هبة إلى مدينة منبج ضمن فوج الشهيدة روجبين عرب. وبعد مرور عام ذهبت إلى تدريبات سياسية أخرى قرابة خمسة وأربعين يوماً، وبعدها عادت إلى مدينة منبج لتحمل مسؤولية رفيقاتها على عاتقها،وتقوم بإدارة شؤونهم الحياتية و التنظيمية،وأمنيتها الأولى أنْ تدافع عن كل فتاة مظلومة أينما كانت، وأثبتَتْ للمجتمع بأنَّ المرأة لم تُخلَقْ لتكون ضحية ذهنية متعصبة، بل هي قادرة وبقوتها وإصرارها على تخطي العقبات كافّة، والمساهمة في تطوير المجتمع.